تحليل هيكل الميزانية الإنمائية لطالبان
من "ستين ملياراً وهمياً" إلى تخصيص 60٪ من الميزانية لكابل
تحليل هيكل الميزانية الإنمائية لطالبان
من "ستين ملياراً وهمياً" إلى تخصيص 60٪ من الميزانية لكابل
تشكّل الإدارة المالية ونظام إعداد الميزانية العمود الفقري للحكم، وأساس منظومة السلطة في أي دولة. فالحكومات، شأنها شأن سائر الفاعلين الاقتصاديين، تواجه قيوداً حقيقية في الموارد المالية، ما يفرض عليها اتخاذ قرارات صعبة بين تحديات وأولويات متعددة. ومن هنا، فإن التدقيق في بنية ميزانية أي سلطة حاكمة يوفّر صورة شبه واضحة عن طبيعة الاقتصاد السياسي القائم، وآليات صنع القرار، والنمط الفعلي لترتيب الأولويات.
وفي هذا السياق، تؤدي الميزانية الإنمائية -بوصفها الأداة الأهم في السياسة المالية- دوراً محورياً في مواجهة الاختلالات الهيكلية للاقتصاد، وتحفيز النمو المستدام، وتقليص الفجوات التنموية. ويعكس تكوين هذه الميزانية، وطريقة توزيعها، واتجاه إنفاقها، مدى التزام أي سلطة بمستقبل الاقتصاد الوطني، والرفاهية العامة، والتنمية المتوازنة.
غير أن الشفافية المالية شهدت تراجعاً لافتاً منذ وصول طالبان إلى السلطة. فالمعلومات التفصيلية المتعلقة بالميزانية -التي تُعد أحد المؤشرات الأساسية للمساءلة والحكم الرشيد- لم تعد تُنشر بصورة منتظمة أو متاحة للرأي العام. وإلى جانب ذلك، كرّس زعيم طالبان، من خلال توقيعه على "قانون المحاسبة المالية"، سيطرته المطلقة على عملية إعداد الميزانية، وآليات الإنفاق، والتحكم في الموارد المالية، ما أدى عملياً إلى إلغاء أي شكل من أشكال الرقابة المؤسسية أو المجتمعية.
هذا التقرير، الذي أُعدّ استناداً إلى البيانات الصادرة عن وزارة المالية ورئاسة الإحصاء والمعلومات التابعة لطالبان، يتناول بالتحليل والتقييم هيكل الميزانية الإنمائية لطالبان للعام المالي الهجري الشمسي 1403، الموافق لـ 2024/2025. وقد نُشرت البيانات الإحصائية الخاصة بهذا العام المالي حديثاً. وتُظهر نتائج هذا التحليل أن طالبان قامت عملياً بإقصاء المشاريع الإنمائية من صدارة أولويات سياستها المالية.
وبحسب تقييم البنك الدولي، تُقدَّر الإيرادات السنوية لطالبان بما يتراوح بين 2.5 و3 مليارات دولار. ومن هذا الإجمالي، تم إنفاق 88٪ (نحو 2.5 مليار دولار) ضمن الميزانية العادية، في حين خُصص فقط قرابة 12٪ (أي 365 مليون دولار، ما يعادل 24 مليار أفغاني) للميزانية الإنمائية. ويعكس هذا النمط من التخصيص، إلى جانب مظاهر واسعة من سوء استخدام الموارد العامة، غياب رؤية بعيدة المدى ومقاربة تنموية حقيقية لدى طالبان لتحسين الوضع الاقتصادي في البلاد.
وتُظهر نتائج التقرير كذلك أن مشاريع أُعلن عنها بقيمة تقارب 60 مليار أفغاني (ما يعادل 910 ملايين دولار) تفتقر عملياً إلى أي غطاء مالي محدد، ولا تتجاوز كونها مشاريع ذات طابع استعراضي ووهمي، إذ لا تستند إلى مصادر تمويل واضحة، ولا تمتلك أفقاً تنفيذياً موثوقاً. ويكشف هذا الواقع بوضوح الفجوة العميقة بين الخطاب الإنمائي الذي تروّج له طالبان، وحقيقة سياساتها المالية على الأرض.
انحراف الميزانية الإنمائية نحو تركيز السلطة
منذ وصول طالبان إلى الحكم، تراجعت الميزانية الإنمائية من 131 مليار أفغاني إلى 24 مليار أفغاني، وهو انخفاض غير مسبوق يعكس تراجع موقع التنمية الاقتصادية وتحسين ظروف معيشة المواطنين في سلم أولويات سلطة طالبان.
ويأتي هذا التراجع الحاد في وقت يواجه فيه نحو 23 مليون شخص في البلاد أوضاعاً قاسية من الفقر والجوع وانعدام الأمن المعيشي، بالتزامن مع أزمات بيئية متلاحقة خلّفت خسائر بمليارات الدولارات وألحقت أضراراً جسيمة بالاقتصاد الوطني وحياة السكان. وعلى الرغم من هذا الوضع الحرج، جرى عملياً استبعاد القطاعات الاقتصادية والاجتماعية الأساسية من قائمة الأولويات الرئيسية لإدارة طالبان.
وفي الوقت ذاته، تُظهر مراجعة الوثائق المالية أن الموارد المحدودة المتبقية في الميزانية الإنمائية جرى تخصيصها بطريقة غير معيارية، ومجزأة، ومنفصلة عن الاحتياجات الحقيقية والأولويات الفعلية للقطاعات الحيوية. ولم يؤدِّ هذا الأسلوب في التخصيص إلى تقليص فاعلية السياسة المالية فحسب، بل أضعف بشدة قدرة الميزانية الإنمائية على الاستجابة الفعالة للأزمات الاقتصادية والاجتماعية.
يُظهر هذا الرسم البياني نمط أولويات طالبان في توزيع الميزانية الإنمائية على القطاعات المختلفة. ويبرز تحليل البيانات عدداً من النقاط الأساسية:
أولاً: في قطاع الحوكمة والخدمات العامة، استحوذت الرئاسة العامة لإدارة شؤون طالبان على ثاني أكبر حصة من الميزانية الإنمائية، بإنفاق بلغ 4.1 مليارات أفغاني. ويُذكر أن هذه الجهة لا تُعد، ضمن الهيكل الإداري الأفغاني، مؤسسة إنمائية بالمعنى المتعارف عليه، كما أن سحب مبالغ كبيرة من الميزانية الإنمائية لصالحها يتعارض مع جميع المعايير والآليات القانونية والإدارية. ولا تتوافر أي شفافية بشأن أوجه إنفاق هذه المخصصات الضخمة. والأكثر إثارة للتساؤل أن الميزانية الإنمائية المخصصة لهذه الجهة تفوق مجمل مخصصات قطاعات حيوية مثل الصحة، والتعليم، والإسكان، والحماية الاجتماعية، وذلك في وقت يقف فيه النظام الصحي على حافة الانهيار، ويعاني ملايين المواطنين من نقص المياه والمساكن والخدمات الأساسية.
ثانياً: استحوذت المؤسسات الأمنية التابعة لطالبان أيضاً على حصة ملحوظة من الميزانية الإنمائية، رغم أن أكثر من 50٪ من إجمالي الميزانية العادية للدولة مخصص أصلاً لهذه الجهات. فمن أصل 2.8 مليار أفغاني خُصصت للمؤسسات الأمنية، أنفقت المديرية العامة لحماية رئيس وزراء طالبان 67 مليون أفغاني من الميزانية الإنمائية، فيما خصصت مديرية الاستخبارات 198 مليون أفغاني، ومديرية مراقبة وتنفيذ أوامر وتعليمات الملا هبة الله قرابة 17 مليون أفغاني.
ثالثاً: على الرغم من تصاعد الأزمات البيئية وتزايد الكوارث الطبيعية المدمّرة، بقيت المخصّصات المرصودة لهذا القطاع محدودة للغاية. فقد حصلت وزارة شؤون الكوارث على 49 مليون أفغاني فقط، بينما لم تتلقَّ الهيئة الوطنية لحماية البيئة سوى 389 ألف أفغاني من الميزانية الإنمائية؛ وهو مبلغ يقل حتى عن مخصصات بعض الهيئات ذات الطابع الشكلي.
ميزانية آلة الدعاية التابعة لطالبان
إلى جانب البُنى العسكرية والإدارية، أولت طالبان اهتماماً خاصاً للحرب الإعلامية وتعزيز آلة الدعاية الخاصة بها. وقد ارتفعت حصة الإذاعة والتلفزيون التابعة لطالبان من الميزانية الإنمائية منذ عام 2022 بنحو 14 ضعفاً. ووفقاً للبيانات، بلغت الميزانية الإنمائية المخصصة لوسائل الإعلام الرسمية لطالبان في العام المالي الهجري الشمسي 1403، الموافق لـ 2024/2025 نحو 91 مليون أفغاني، بعدما كانت لا تتجاوز 7 ملايين أفغاني في عام 1402 الموافق لعام 2022. ويشير هذا الارتفاع الكبير إلى أن طالبان، في ظل غياب وسائل الإعلام الحرة، تسعى بصورة ممنهجة إلى تعزيز بنيتها الإعلامية الرسمية لترسيخ روايتها في الفضاء العام داخل أفغانستان.
ومع ذلك، تُظهر المعطيات المتاحة أنه على الرغم من هذه النفقات الكبيرة، لم تنجح وسائل الإعلام الرسمية التابعة لطالبان في كسب ثقة الجمهور أو تحقيق قبول شعبي واسع.
تفاقم اللامساواة الهيكلية الإقليمية واتساع دائرة الحرمان
يُعدّ أسلوب توزيع الميزانية الإنمائية على مستوى الولايات أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في هيكل الميزانية لدى طالبان. وتُظهر البيانات الرسمية أن 55٪ من إجمالي الميزانية الإنمائية صُرفت داخل مدينة كابل، وترتفع هذه النسبة إلى 58٪ عند احتساب مخصصات ولاية كابل. فقد أنفقت طالبان في مدينة كابل وحدها 13.24 مليار أفغاني، إضافة إلى 773 مليون أفغاني على مستوى ولاية كابل من ميزانية العام المالي 2024/2025.
يُبرز تحليل هذا النمط من التوزيع عدة نقاط محورية:
أولاً: يبدو أن التركيز المكثف للميزانية الإنمائية في كابل يمثل خطوة مقصودة لصناعة صورة إيجابية عن الأداء الإنمائي لطالبان. وتسعى الحركة إلى إرسال رسالة إلى الداخل والخارج مفادها امتلاكها القدرة والإرادة لإدارة الاقتصاد بكفاءة. وتُعدّ الدعاية الواسعة عبر الفضاء الرقمي، إلى جانب روايات الزائرين لكابل، إلى حد كبير نتاجًا لتوجيه ما يقارب 60٪ من الميزانية الإنمائية إلى العاصمة. غير أن هذه المشاريع لم تنجح في حجب واقع الفقر الواسع، والقمع، والحرمان، والأزمات البنيوية التي تحكم حياة المواطنين في مختلف أنحاء البلاد.
ثانياً: يسهم هذا التوزيع غير المتوازن في تعميق اللامساواة البنيوية بين الولايات. ففي حين يُعدّ التوزيع المتوازن للموارد أحد المبادئ الأساسية للتنمية وتقليص الفجوات الإقليمية، قامت طالبان عمليًا بتهميش الولايات والمناطق النائية وإقصائها من أولويات سياستها الإنمائية.
ثالثاً: يعزز التركيز الكثيف للميزانية في كابل أزمة بنيوية أخرى تتمثل في تصاعد الهجرة الداخلية نحو العاصمة، وما يترتب عليها من انهيار متسارع في البُنى التحتية للخدمات الحضرية واتساع ظاهرة السكن العشوائي. فقد وصلت خدمات المياه الصالحة للشرب، والإسكان، والنقل، والتعليم، والرعاية الصحية، فضلًا عن تلوث الهواء، إلى مستويات حرجة في كابل، ما يجعل العاصمة تتجه تدريجيًا لتكون من بين المدن ذات أعلى معدلات الأحياء العشوائية في العالم.
رابعاً: بعد كابل، جرى إنفاق أكبر حصة من الميزانية الإنمائية في ولايات غزني، وزابل، وميدان وردك. وعلى الرغم من غياب المعلومات التفصيلية والشفافة بشأن طبيعة هذه المشاريع، تشير الشواهد إلى أن جزءًا من هذه المخصصات قد يكون مرتبطًا بإنشاء مجمّعات سكنية لمقاتلي حركة طالبان باكستان، وهو أمر سبق التطرق إليه في تقارير موثقة.
إحلال المنظمات الدولية محل الدولة
تروّج طالبان على الدوام لتمويل الميزانية من الموارد المحلية بوصفه أحد أبرز إنجازاتها الاقتصادية. غير أن مراجعة الوثائق تكشف أن المنظمات الدولية تتولى عمليًا عبئًا كبيرًا من مسؤوليات التنمية بدلًا من طالبان. فإلى جانب تقديم مليارات الدولارات كمساعدات طارئة لمواجهة الأزمة الإنسانية في أفغانستان، اضطلعت هذه المنظمات بدور مهم في تنفيذ مشاريع إنمائية.
وخلال العام المالي الهجري الشمسي 1403 الموافق 2024/2025، أنفقت المنظمات الدولية 529 مليون دولار على مشاريع البُنى التحتية، وهو مبلغ يفوق إجمالي الميزانية الإنمائية لطالبان.
كما يُظهر الرسم البياني، نجحت المنظمات الدولية إلى حد كبير في سد الفراغ الناتج عن تراجع طالبان عن القطاعات الأساسية، ولا سيما قطاعي الصحة والحماية الاجتماعية. ورغم التحديات الجدية، بما في ذلك مخاطر إساءة استخدام المساعدات من قبل طالبان، أسهم وجود هذه المنظمات في الحيلولة دون الانهيار الكامل للاقتصاد والمجتمع، وبشكل خاص في منع سقوط النظام الصحي وشبكات الحماية الاجتماعية.
وتبرز نقطة أخرى لافتة تتمثل في النمط المتوازن نسبيًا لتوزيع الميزانية الإنمائية لدى هذه المنظمات على مختلف أنحاء أفغانستان. فعلى عكس التركيز الحاد للميزانية الإنمائية لطالبان في كابل، نفذت المنظمات الدولية مشاريع متعددة في جميع الولايات، مع توزيع الموارد بشكل أكثر توازنًا بين المناطق.
ستون ملياراً وهمياً
بحسب ما أعلنه مكتب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية في طالبان، اعتُمد خلال عام 2024، 252 مشروعاً بقيمة إجمالية بلغت 74 مليار أفغاني. وإضافة إلى ذلك، أعلن نائب المتحدث باسم طالبان أن لجنة المشتريات الاقتصادية التابعة للحركة أقرّت خلال عام 2025 مشاريع إنمائية بقيمة 130 مليار أفغاني. وبالنظر إلى أن تسعة أشهر من عام 2024 وثلاثة أشهر من عام 2025 تندرج ضمن العام المالي 1403 في التقويم الهجري الشمسي، فإن إجمالي قيمة المشاريع المعلنة خلال هذا العام المالي يتجاوز 87 مليار أفغاني.
ويفوق هذا الرقم بأكثر من ثلاثة أضعاف ونصف قيمة الميزانية الإنمائية الفعلية لطالبان في العام المالي نفسه، والتي لم تتجاوز 24 مليار أفغاني. ويبلغ الفارق بين المشاريع المعلنة والميزانية الحقيقية نحو 63 مليار أفغاني. وفي ضوء هذه الهوة الواسعة بين الموارد المتاحة فعلياً والمشاريع التي جرى الإعلان عنها، يمكن الاستنتاج أن مئات المشاريع الإنمائية، بقيمة لا تقل عن 60 مليار أفغاني، ليست سوى مشاريع وهمية تفتقر إلى أي غطاء مالي حقيقي.
وتُعلن نسبة كبيرة من هذه المشاريع، التي يُراد منها في الغالب تقديم صورة إيجابية عن الأداء الاقتصادي لطالبان، بصورة متكررة على مدى سنوات، حيث تُنقل من عام مالي إلى آخر تحت مسمى "مشاريع انتقالية"، من دون أن تصل يومًا إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.
في المحصلة، تُظهر الأدلة المستقاة من الوثائق المالية أن هيكل الميزانية الإنمائية لطالبان لم يُصمم على أساس تحقيق التنمية، بل يقوم على نمط من سوء الاستخدام المنظم للموارد العامة. فالفجوة الكبيرة بين الميزانية الإنمائية الحقيقية والمشاريع المعلنة، والتخصيص غير الشفاف للموارد لصالح مؤسسات غير إنمائية وأمنية، والتركيز غير المتوازن للإنفاق في كابل، إلى جانب الارتفاع اللافت في نفقات الدعاية، كلها مؤشرات واضحة على أن الميزانية الإنمائية تحولت إلى أداة لترسيخ السلطة، وإعادة توزيع ريعي للموارد، وإنتاج شرعية شكلية.
وفي هذا الإطار، لا تستجيب المشاريع التي تُوصف بالإنمائية للاحتياجات المعيشية للمواطنين، ولا تستند إلى مصادر تمويل حقيقية، بل تشكّل جزءًا من نمط واسع من سوء الإدارة المالية، كانت نتيجته المباشرة استمرار الفقر، وتعميق اللامساواة، وتعاظم اعتماد أفغانستان على المساعدات الخارجية.